التصنيف السيادي لتونس عند مستوى B- مع أفاق مستقرة، في تقييمها الصادر في 17 أوت 2026، لتؤكد بذلك التصنيف الذي كانت قد اعتمدته قبل عام، عندما غيرت نظرتها المستقبلية لتونس من «سلبية» إلى «مستقرة».
إن تثبيت التصنيف للمرة الثانية لا يعني تغيرا في التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي. فبينما استفادت تونس خلال 2025 من تحسن النمو وتقلص العجز الجاري والعجز المالي، ترى الوكالة اليابانية أن ارتفاع أسعار الطاقة في ظل الصراع في الشرق الأوسط أعاد الضغط على المالية العمومية، في وقت لا يزال فيه الوصول إلى التمويل الخارجي محدوداً، ما يدفع الدولة بصورة متزايدة إلى الاعتماد على التمويل الداخلي والاقتراض المباشر من البنك المركزي. مبينة انه مع استمرار صعوبة الوصول إلى التمويل الخارجي لجأت الحكومة منذ 2024 بصورة متكررة إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي. وبلغ إجمالي هذا الاقتراض 25 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2025. وتأخذ هذه القروض شكل تمويلات دون فوائد وبآجال تمتد إلى 10 أو 15 سنة، وهو ما يخفف على المدى القصير عبء خدمة الدين العمومي. لكن الوكالة تحذر من الجانب الآخر لهذه الآلية، باعتبار أن زيادة الكتلة النقدية الناتجة عن التمويل المباشر يمكن أن تحمل مخاطر على الاستقرار الاقتصادي الكلي. ولهذا السبب، تؤكد الوكالة أنها ستراقب عن كثب قدرة الحكومة على التخلي تدريجياً عن هذه الممارسة في الأجل القصير.
كان انتقال تونس من أفق سلبي إلى مستقر في اوت 2025 بمثابة إشارة إلى تراجع مخاطر التدهور الائتماني. واستندت الوكالة حينها إلى تحسن الوضع الخارجي، وارتفاع احتياطي العملة الأجنبية، وتراجع عجز الميزانية والدين الخارجي. وبعد عام، لم تر الوكالة اليابانية ما يكفي لرفع التصنيف، لكنها في المقابل لم تعد إلى الأفق السلبي. وتعتبر الوكالة أن خطر التخلف الفوري عن سداد الديون الخارجية لا يزال منخفضاً، وأن احتياطي النقد الأجنبي ما زال عند مستوى يوفر هامشاً من الأمان، فيما أصبح عجز الحساب الجاري أضيق بكثير مقارنة بالسنوات السابقة.
لكن استمرار هذه الوضعية يبقى مرتبطاً بقدرة تونس على الحفاظ على الانضباط المالي وتجنب تفاقم الضغوط الخارجية. تشير الوكالة إلى تقدير صندوق النقد الدولي لنمو في حدود 2.1%، مقابل توقع تونسي أعلى عند 3.3%. وتؤكد أن الفجوة بين الطموح الرسمي والتوقعات الدولية تعكس صعوبة تحقيق نمو قوي ومستدام في غياب محركات قوية، وعلى رأسها الاستثمار.
وتزداد هذه الصعوبة عند مقارنة التوقعات قصيرة المدى بالهدف الذي وضعته الحكومة في مخطط التنمية الوطني 2026-2030، والرامي إلى رفع النمو إلى 5.1% في أفق 2030. وترى الوكالة أن بلوغ هذا الهدف سيكون شديد الصعوبة في ظل محدودية محركات النمو، بينما يتوقع صندوق النقد استمرار النمو في مستويات منخفضة، تقارب معدل 1% على المدى المتوسط.
من أبرز نقاط القوة التي تستند إليها في تثبيت التصنيف تحسن الوضع الخارجي. فبعد أن بلغ عجز الحساب الجاري 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2022، عندما شهدت أسعار الطاقة ارتفاعاً حاداً، تراجع العجز إلى 2.4% من الناتج في 2025.وتواصل قطاعات الخدمات والدخل تحقيق فوائض بدعم من السياحة والخدمات الصناعية وتحويلات التونسيين بالخارج، إلا أن هذه الموارد لا تزال غير كافية لتغطية العجز التجاري.
وفي هذا السياق، تشير الوكالة إلى أن البنوك مُنعت منذ مارس 2026 من تقديم خدمات مالية للقطاع الخاص لتمويل واردات بعض السلع غير ذات الأولوية، مثل المنتجات الاستهلاكية، وهو إجراء يمكن أن يحد من اتساع العجز الجاري. لكن هذا التحسن لا يخلو من هشاشة، باعتبار أن جزءاً منه يرتبط بتطور الواردات وأسعار الطاقة وتدفقات السياحة والتحويلات.
في المقابل، تراجعت التدفقات الناتجة عن الاقتراض الخارجي الجديد، وهو ما ساهم في انخفاض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي من أكثر من 90% في نهاية 2023 إلى 77% في نهاية 2025. غير أن الوكالة تحذر من أن احتياطي العملة الأجنبية يغطي أقل من نصف الدين الخارجي قصير الأجل، وهو ما يستدعي استمرار الحذر بشأن السيولة بالعملة الأجنبية.
المعضلة الأكثر بروزاً في تقييم 2026 هي تأثير أسعار الطاقة على المالية العمومية. اذ تحذر الوكالة من أن ارتفاع أسعار الطاقة في 2026 يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنفاق ويقوض مسار التحسن التدريجي في العجز المالي.